لأنه كان كبيرا
أنيس منصور - راهب في محراب الفكر
كان الأول دوما والأكبر علي الدوام في الفكر ،
في الصنعه ، في الثقافة والمعلوماتية ، كان الرائد للاحتراف والاحترام معا ، اختلفنا
أو اتفقنا معه لانستطيع الا أن نحترمه ، وكثير منا كان يهابه اجلالا لقدره ، وأحيانا
خوفا منه لأنه أكبر منه . أتساءل أحيانا لماذا لم يحتد أنيس منصور يوما علي أحد
؟ ولم يكن متحمسا ضد موقف ما ؟ أو متحيزا غيورا لمبدأ ما ؟ لماذا لم نراه كغيره مشاركا في صراع أو في عراك
سياسي أو اجتماعي أو فني ؟ هل يكون مرجع
ذلك الاعتداد الزائد بالنفس ؟ وأدهش كثيرا عندما أتخيله رغم كل ذلك وكأنه بدون
تلاميذ أو بدون الكم من التلاميذ الذي يليق بمثله ؟ ( وربما له تلاميذ لكنهم علي شاكلته ) ، هو الأقرب عندي فكريا وثقافيا وفي أشياء
كثيرة جدا للدكتور زكي نجيب محمود وربما للاستاذ العقاد وقد كانا صديقاه المقربان
... لكنه كان علي النقيض منهما تماما في ناحية التداخل والانخراط مع كل مايحيط به من الآراء والأفكار فالعقاد
كان برلمانيا ثائرا ، وصاحب مساجلات وندوات ، وصوت صداح في معترك الصالونات ، وزكي
نجيب محمود كان مقاتل ومشاكس وثائر بعكس أنيس منصور . اختلف الاثنان مثلا مع جمال
عبد الناصر أثناء إعداد الميثاق ، ولكن زكي نجيب محمود قال رأيه عندما صمت الآخرين
بعكس أنيس كان كالحاضر الغائب ، واختلف الاثنان مع الشيخ الشعراوي فجهر زكي نجيب
محمود برأيه وحجته وتابعه يوسف ادريس ولكن أنيس منصور ظل محايدا وأنا ردا علي كل
تلك التساؤلات أجدني في مواجهة مع أحد هذه الاحتمالات .
·
أن أنيس منصور كان بالفعل كبيرا ثقافيا
وفكريا وصاحب رؤية فلسفية محايده وهذا ماكان يجعله ينظر لكل شئ بنظرة نسبيه
احتمالية محايده وصاحب هذه النظرة يري
دائما بأن كل شئ وارد ومحتمل الحدوث فعلام التداخل والاصطدام فشعار من هذا حاله هو
( أن الحكمة في الصمت وعدم الانفعال ) .
·
أن أنيس منصور كان أشد حرصا علي مكانته
وماوصل اليه وهذا الحرص يتولد عنه غالبا الخوف من أي خطأ قد يحدث عمدا أو سهوا
يفقده أو يهز صورته في نظر الآخرين .
·
أن
تأثير آراء أنيس منصور علي السادات بشكل خاص والذي وافقت فترة حكمه فترة
نضج وحكمة أنيس مكنت تلك الآراء من الدخول مباشرة لحيز التنفيذ وبالتالي فليس هناك
مايدعوه للنقاش والصراع مع الآخرين فأنيس منصور كان للسادات مثلما كان هيكل لعبد
الناصر .
·
أننا نحن وليس أنيس منصور السبب في ذلك فنحن
الذين لم نكن نلجأ اليه أو نستشيره أو نلتمس عنده الرأي والحل .
وهذا الاحتمال الأخير جعلني أسائل نفسي سؤالا
محرجا بعض الشئ وهو لماذا ورغم ادراكي واعترافي بمكانة وقامة وعلو حرفية وموسوعية
أنيس منصور لم أكن وبخاصة في الآونة الأخيرة أقرأ له كثيرا ، واكتفيت منه بقراءة
مقالاته ؟
وأقول وبعد طول تفكير ربما لأن أنيس منصور
كان يكتب في الأهرام وأنا قاطعت الأهرام بعد موت زكي نجيب محمود ومصطفي محمود والحمامصي
وأحمد زين وغيرهما فالأهرام بعد هؤلاء أصبح جريدة تروج لفكر واحد وتمتلئ بكم هائل من
الاعلانات وفقط وكأنها تنافس جريدة
الوسيط .
كما أن كتابات أنيس منصور بعدت في تلك الفترة بعض الشئ عن حياة ومشاكل
البسطاء ولم يكن بها تفسير ولاتدبير لأحوالهم وبالتالي أصبحت أقرب مايكون لكتابات
فوقية فيها من الحكمة والحنكة مافيها لكنها لاتوافق ولاتتوافق مع ( مود ) أو
الحاله التي ألمت بي وبنا . والتي كانت
تحتاج لكاتب جراح لديه القدرة علي البت والبتر في الأمور الشائكة الكثيرة ، وهو
كان يستطيع ذلك بلاشك ، لكنه لم يفعل .. !!
لقد كان أنيس منصور قد قرر أن يمهد لنفسه الطريق للدخول في مصاف الحكماء و الرهبان . حتي فاجأته وفاجأتنا المنية ..
رحم الله أستاذنا الجليل فلطالما علمنا
ودفعنا للتفكير وإن لم يسير بنا نحو التغيير .. رحم الله كاتبنا الكبير .
عصام الدين أحمد كامل –
كاتب اسلامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق